كل عملٍ صالح ينتهي بانتهاء صاحبه إلا قليلاً، والوقف من هذا القليل، ولهذا تسابق إليه الصحابة حتى قال جابر بن عبد الله فيما ذكره ابن قدامة في المغني: «لم يكن أحدٌ من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف»، وفي هذا المقال ما ورد في فضله من النصوص، وما صنعه في حياة الناس عبر القرون، وما يصنعه في حياة الواقف نفسه قبل أن يرحل.
الجواب المختصر: الوقف صدقةٌ جارية لا ينقطع أجرها بالموت، وهو في الدنيا موردٌ ثابت يكفل المحتاج ويبني المسجد والمدرسة والمستشفى دون أن ينتظر تبرعاً جديداً كل عام، وقد قامت عليه حضارةٌ كاملة من التعليم والطب والسقيا والكفالة.
فضل الوقف في الآخرة
أجرٌ لا ينقطع
«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له»، رواه مسلم.
وقد حمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف، لأنه الصدقة التي يبقى أصلها ويتجدد نفعها، فيُكتب لصاحبه أجر كل من انتفع به ما بقي، وقد يبقى الوقف قروناً، فيبلغ أجره ما لا يبلغه عمر صاحبه.
مضاعفة لا يعلم مداها إلا الله
قال تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾، والوقف أوضح صور هذه الحبة، فهو أصلٌ يُنبت كل عام غلّةً جديدة.
أحبّ المال إلى صاحبه
لمّا نزل قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة فقال: إن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقةٌ لله، فقال النبي ﷺ: «بخٍ، ذلك مالٌ رابح»، متفق عليه، فسمّاه النبي ﷺ رابحاً لأن ربحه باقٍ.
ما تقدّمه تجده
قال تعالى: ﴿وما تقدّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً﴾، والوقف من أوضح صور التقديم، فصاحبه يقدّم أصلاً يعمل له بعد رحيله.
سبعٌ يجري أجرها في القبر
وفي حديثٍ رواه البزار وحسّنه الألباني: «سبعٌ يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته»، وأكثرها صورٌ من الوقف.
فضل الوقف في الدنيا
الوقف لم يكن عبادةً فردية فحسب، بل كان عبر التاريخ الإسلامي العمود الذي قامت عليه مؤسسات المجتمع:
- التعليم: قامت المدارس الكبرى في بغداد ودمشق والقاهرة على الأوقاف، فكان الطالب يتعلّم ويسكن ويُنفق عليه من ريعها، وكثيرٌ من المكتبات الكبرى كانت أوقافاً.
- الطب: كالبيمارستان النوري في دمشق الذي أوقفه نور الدين زنكي، وكان يعالج الناس مجاناً من ريع أوقافه.
- الماء: كعين زبيدة التي أجرتها زبيدة زوجة هارون الرشيد إلى مكة والمشاعر، فشرب منها الحجاج قروناً.
- الكفالة: أوقافٌ للأيتام والأرامل وابن السبيل، وأخرى لتزويج الشباب وفكاك الأسرى وإقراض المحتاجين.
- الحرمان الشريفان: حظيا عبر القرون بأوقافٍ من أنحاء العالم الإسلامي، ومن أشهرها اليوم وقف الملك عبدالعزيز رحمه الله بجوار المسجد الحرام.
والسرّ في نجاحه أنه لا يعتمد على حماسة المتبرعين كل موسم، فالأصل قائم والريع يجري، والمحتاج يجد حاجته في وقتها، وهذا ما يجعل الوقف يسد فجوةً لا تسدها الصدقة الموسمية مهما كثرت.
أوقاف الصحابة: قصص قصيرة
اختر صحابياً لتقرأ قصة وقفه:
ما يصنعه الوقف في حياة الواقف نفسه
يتحدث الناس عن أجر الوقف بعد الموت، ويغفلون عمّا يصنعه في حياة صاحبه:
- طمأنينة: أن تعرف أن لك عملاً يجري بعدك يخفف ثقل السؤال عمّا تركته.
- أثرٌ تراه بعينك: من أنشأ وقفه في حياته رأى الأسر التي يكفلها والطلاب الذين يعلّمهم، وهذه لذةٌ لا تعطيها الوصية.
- تربية الأبناء: الأسرة التي تقف معاً أو تشارك في وقف والدها تتعلم العطاء عملاً لا كلاماً.
- حفظ المال من التفتت: العقار الموقوف لا يُقسم بين الورثة حتى يتلاشى، بل يبقى أصلاً يذكّر باسم صاحبه.
شبهاتٌ تتكرر
هل الوقف يحرم الورثة؟
الوقف في الصحة تصرفٌ في مالك، ولك أن تقف منه ما شئت، والأفضل ألا تقف جميع مالك إن كان ورثتك محتاجين، لقول النبي ﷺ: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس»، والوقف الذري والمشترك يجمع لك بين الأمرين، وتفصيله في الوقف الذري والخيري.
أليست الصدقة المباشرة أنفع للفقير اليوم؟
الحاجة العاجلة لها حقها، والوقف لا يلغي الصدقة بل يكملها، فالصدقة تسد حاجة اليوم، والوقف يضمن أن تُسد الحاجة غداً وبعد غد.
ألا تضيع الأوقاف بمرور الزمن؟
ضاع بعضها حين غابت الرقابة، ولهذا جاء التنظيم الحديث في المملكة، توثيقٌ في وزارة العدل، وتسجيلٌ وإشرافٌ من الهيئة العامة للأوقاف، ومحاسبةٌ للنظار، والأوقاف لا تسقط بالتقادم، ومتى ظهر ما يدل على وقفٍ قديم أمكن إثباته.
لماذا يبقى الوقف أفضل صور العطاء اليوم؟
لأن احتياجات الناس دائمة، والصدقة الموسمية مهما كثرت تنتهي بانتهاء الموسم، أما الوقف فيحوّل العطاء من دفعةٍ واحدة إلى موردٍ مستمر، ولهذا اتجهت الأوقاف الحديثة في المملكة إلى العقارات المدرّة والصناديق الوقفية، لتبقى الأصول وتتجدد الغلة، ويمكنك أن ترى ذلك في أوقاف المبرّة بأرقامها.
كيف تبدأ وقفك؟
الفضل لا يتحقق بالقراءة عنه، والطريق أقصر مما يظنه كثيرون، وله ثلاثة مداخل بحسب قدرتك:
- إن كان لديك عقار أو مالٌ كبير: فأنشئ وقفاً مستقلاً بشروطك، وثّقه في ناجز وسجّله في الهيئة، وتفصيل الخطوات في كيف تسجّل وقفاً جديداً.
- إن كان لديك مبلغٌ متوسط أو صغير: فاشترك بسهمٍ في وقفٍ قائم، أو بوحداتٍ في صندوقٍ وقفي، وتفصيل الصناديق في الصناديق الوقفية في السعودية.
- إن كان مالك مرتبطاً بحاجتك اليوم: فأوصِ بثلثه أو بعضه وقفاً بعدك، فتضمن الأجر دون أن تضيّق على نفسك.
وأياً كان مدخلك فاختر للوقف مصرفاً تحبه، وناظراً تثق به، واكتب ما يؤول إليه إن انقطعت الجهة، فهذه الثلاثة هي ما يجعل الوقف يعيش بعدك.
أسئلة شائعة
هل يُشترط مالٌ كثير لأنال فضل الوقف؟
لا، فالمشاركة بسهمٍ في وقفٍ قائم تجعل لك نصيباً من أصلٍ باقٍ، والوقف الجماعي صحيحٌ ولو بعقودٍ متفرقة، وفي الحديث: «سبق درهمٌ مئة ألف درهم»، رواه النسائي وحسّنه الألباني.
هل الوقف أفضل من الصدقة العادية؟
لكلٍّ موضعه، فالصدقة العاجلة قد تكون أفضل حين تشتد الحاجة اليوم، والوقف أفضل حين يكون المقصود دوام الأجر والنفع، وتفصيل الفرق في الفرق بين الوقف والصدقة الجارية والوصية.
هل يصح أن أقف وأنا حي وأنتفع بوقفي؟
نعم، يجوز أن تشترط ريع الوقف لنفسك مدة حياتك ثم يُصرف بعدك في الجهة التي حددتها، وهو جائز شرعاً ونظاماً.
المصادر
- صحيح البخاري وصحيح مسلم، أحاديث أبي طلحة ووقف عمر والصدقة الجارية.
- سنن الترمذي في بئر رومة، ومسند البزار في السبع الجارية.
- المغني لابن قدامة، كتاب الوقف.
- دليل «مئة سؤال وجواب في مسائل الأوقاف»، الهيئة العامة للأوقاف، رجب ١٤٤٧هـ.




